كًن سعيدا أو مُكتئبا، لكن استهلك بصمت

أضيف بتاريخ 11/28/2020
الحديقة 🌼

أهلًا،

  "كن ايجابيا! تعلم أن تكون سعيدا! إبتعد قدر المستطاع عن القلق وعلامات التوتر، تأمل بشكل واع في أهمية اللحظة والآن... هذا ملخص تقريبي "للأصوات الملائكية" التي صارت تحيط بنا من كل حذب، فهي التي تبارك بعض ايامنا دون الاخرى وهي التي تحيينا قصفا باقتباسات الامل والمحبة والعمل الموجب واستذكار  "الماضي الجميل" و"الذي كان".. خطابات تدعو للمرح وذم الاكتئاب، وتشهد الدنيا أن لا تأثير ايجابيا ملحوظا شمل العالم منذ طوفان المرح هذا. فنحن نحن وعالمنا يشبهنا الى حد كبير.

الطوفان هذا لايعنينا فقط وإنما ينتشر انتشارا متواجدا عبر العالم، لأن المسألة أكبر من قلق ألم بجاري السعيد، فهذا هو المبدأ الذي أعلنه علم النفس الإيجابي في أمريكا لعدة عقود، حتى صارت السعادة اليوم في العالم عبئا إضافيا يجب الانحناء له.  "لا تحزن"، تبسم أمام المخاطر واصفح عن العالم ! لا تكتئب! الكآبة ليست هي السعادة، ولكل منهما وصفات خاصة من التعريف حتى التتجير بها مرورا بالتشخيص طبعا.

فقد انتشرت هذه "الانوار " عبر العالم ليتم تغليفها محليا بالثقافات المهيمنة. لدرجة يصعب اليوم إقناع شخص ما بأن ايديولوجية المرح وربيبتها الكآبة، هذه والمنتشرة عبر صحراء الوسائط تمارس استبدادا حقيقيا على الناس. كباقي الايديولوجيات التقويمية لسلوك البشر (بل حتى ما يسمى بالحيوانات الاليفة لم يتركرها بسلام حيث الحقوا العدوى البشرية بهذه الكائنات فصارت لها مصحات خاصة ونوادي تدليك..  (اللهم بارك!) وبشر بركن الأداء).

فبالإضافة لمستلزمات المعيشة صار من واجب الخليقة أن تكون سعيدة، وأن تهجر القلق، وصار كل من حَيَّيته على عَجل يمطرك بوابل من النصائح حول مناهج الحياة والأفضليات السلوكية كل حسب ميولاته وانتماءاته. أما كتب ووسائط "التنمية البشرية" فتعرف رواجا خارقا في بلداننا تحديدا حيث جفاف العلم والتدقيق والنقد. وكأنها مصيدة جماعية لعقول الناس على الهواء مباشرة، متخذة من "حسن نيتها" كل قواميس الايجابيات الكونية لتمطر بها عقول وقلوب الناس المغلوبين على امرهم اقتصاديا وثقافيا.

مناسبة هذا القول بعد شعوري بالاكتئاب من ثقافات "السعادة"، اطلاعي على النقاشات التي خلفها كتاب هو في الأصل نقد لامع ومثير، لكل من إدغار كاباناس وإيفا إلوز باس حيث استكشفا واستنكرا الأسس الأيديولوجية وكذلك التأثير المتزايد لما يسمونه "استبداد السعادة". وحيث أن علم النفس الإيجابي تحول تدريجياً إلى صناعة حقيقية، انفجرت من خلال العلاج والتنمية الشخصية. فصار المرح اضطراريا في ذاته بعد أن ساهم الرأسمال بشكل مباشر في اكتئاب الخليقة، فحتى 23 نوفمبر الحالي، أدرج PubMed محرك البحث الرئيسي للدراسات المنشورة في علم الأحياء والطب، 2406 مرجعًا حول موضوع "الضحك"، مقابل 64458 إشارة "للدموع" (بكاء) و 522103 مرجعًا "للاكتئاب". أرقام تكشف، بلا ريب، عن سلوك غريب، فيروسي ومعدي وهو وباء أيضا  في بعض الأحيان.

فسواء اكتأبت او جهرت بسعادتك فستمر حتما عبر المتجر لأنها وصفة الاستبداد السلوكي الحالي.

دمتم كما تحبون !