كلوفر ، سيسو والآخرون

أضيف بتاريخ 04/17/2021
الحديقة 🌼

كلب يوقف حركة المرور لإنقاذ مالكته من نوبة صرع. فقد صعد كلب يُدعى كلوفر أمام شاحنة قادمة بعد أن دخلت صاحبنه في نوبة صرع بينما كانا يتجولان في أوتاوا. السؤال هل كل الكلاب يمكنها فعل ذلك ام فقط كلاب كندا وسويسرا .. ؟! - سؤال جاد - إذ كثيرة هي القصص والاخبار التي تاتينا عن كلاب العالم المتقدم، قصص رائعة وغرائبية قد تحرك فيك أشياء أخرى لاعلاقة مباشرة لها بعالم الكلاب


السؤال يكتسب جديته من نوعية القصص التي لا تاتينا عن الكلاب في بلداننا، وعندما نسمع أو نقرا عن كلب محلي فحتما سيكون مزعجا او بيتبوليا من درجة اجرامية، والسائد اكثر تلك الاخبار عن الكلاب الضالة المحلية. وان شاءت الأقدار أن تكون اخبارا محلية ايجابية تخص كلابا فانها غالبا ما تكتسي طابعا  رومانسيا تماهي بالضرورة كلاب الاخرين، ممددة للحدود الطبقية الاجتماعية واختلاف الانتماءات، إلا فيما ندر.


طبعا هناك اناس يقيمون علاقات سوية مع الكلاب حتى في بلدي. وربما يعيشون او عاشوا قصصا خارقة مع هذه الكائنات. وهناك مستويات عدة في هذه العلاقات، لست عالم اجتماع لضبطها بشكل صارم. لكنها حتما موجودة.


من جهلي، كنت أظن أن الكلاب كلاب، سواء هنا أو هناك، ما ذا يمكن أن يتغير في كلب لمجرد أنه ولد هناك وتلقى رعاية معينة، وبالمقابل ماذا يحدث للكلب هنا سواء حظي ببركة عائلة ثرية او شبه ثرية او حتى متوسطة الوضع ؟! لماذا تتغير القصص الإخبارية عن الكلاب بتغير قصص مالكيهم وراعيهم؟! كنت ساتمكن ربما من الاقتراب من أجوبة ما، لو كان لي كلب، لكن الوضع ليس كذلك، اجد صعوبة في رعاية نفسي فبالاحرى تقديم دعم يومي وانتباه لهذا الكائن الحي الذي حتما لديه ما يحكي ما دام قد صمد كل هذه الالاف المؤلفة من السنين بيننا. 


وضعي المحلي كغيري من أبناء السكتور، يسمح لي طبعا بالوصول للكثير من المعلومات الكلبية، خاصة عن الكلاب التي تسمى ضالة، الكلاب التي يراها ولايراها احد، يمكن أن نسميه نوع من الحضور المستتر، أن تكون ولا تُرى، تلك "الحيوانات" المتواجدة في كل مكان وفي اي مكان، نعرفها بالصوت ما دمنا لا ننتبه اليها بالنظر والتفحص، فصرنا نميز بين صوت وصوت لدى الكلاب "الضالة". 


وللانصاف فوضع الكلاب الضالة بالمنطقة ليس اقل مأساوية أو استثناء من مثيله لدى باقي الحيوانات "الأليفة" بيننا، أذكر قبل سنين انني قرات خبرا عن جمعية غربية تقدم المساعدة والعون للحيوانات الضالة وخصوصا الحمير والبغال، بعد أن قرروا القيام بجولة ترميمية لجراح هذه الحيوانات في منطقة المغرب العربي جالبين معهم ما يظنون انه قد يكفيهم لكل الرحلة بالمنطقة المغاربية من ادوية وعلاجات. وكم كانت صدمتهم، مثلنا، ان كل ما بحوزتهن من ادوية قد نفذ فقط في علاج حيوانات منطقة محددة من المملكة، مما اضطرهم لاعادة تقييمهم للوضعية بكاملها وهم الجمعية المتخصصة في الحيوانات الضالة. فكيف حالنا الذين نتجاهلهم بشكل ثقافي صلب.



في مدينة طنجة مثلا، لاحظت كيف ان الكلاب والقطط بالطرقات لاتتصرف بنفس الطريقة كما هو حال زملائهم بمراكش، حيث اقتضت القاعدة ان يفر او يستعد للاختفاء كل كلب او قط ضال بمجرد ظهور رأس آدمي. في طنجة لايتحركون اطلاقا، ماهذا الدلال؟! الذي اجده طبيعيا للغاية. وفي نفس الوقت، أتساءل لم حالة الطوارئ هذه غير الرسمية، المشتعلة بيننا وقطط وكلاب مراكش، على وجه التضاد. اليست الكلاب والقطط هي نفسها، أم هو الراعي الذي يتغير فقط ؟! ​



تابعوا معي أيضا حكايات الكلاب، فهذا سيسو. كلب ضال امريكي بامتياز، عود نفسه على اقتحام احد متاجر  شركة Dollar General هي شركة توزيع واسعة النطاق منخفضة التكلفة بامريكا. يدخل سيسو المتجر في كل مرة من أجل غرض وحيد :  سرقة دمية مجسدة لوحيد القرن أرجواني اللون. حاول عمال المتجر القيام بما أتيح لديهم للحيلولة دون اقتحام الكلب للمتجر مجددا وسرقة الدمية الارجوانية، لكن في كل مرة يأتي الكلب متسللا ليجد طريقه الى ممر اللعب وهو في غاية المرح.


اضطر العاملون بالمتجر إلى إغلاق الأبواب والاتصال بإدارة ملجأ الحيوانات. وبعد أن لاحظت ضابطة من الملجأ تشبت الكلب بوحيدة قرنه الارجوانية، اقتنت له واحدة (10 دولارات) وتم تبنيهما معا، في نهاية المطاف. لينطلق معها خارج المتجر سعيدا نحو ملجأ الحيوانات، وهناك اطلق عليه العاملون اسم "سيسو" نسبة إلى شخصية تنين كرتونية في فيلم لديزني.



لا أعرف ان كانت هذه خطة من سيسو للفت انتباهنا لكي نخرج رؤوسنا لحظات من فقاعات موبايلاتنا الافتراضية، والنظر وجها لوجه لهذه الكائنات الحية التي تعيش بالقرب منا، لكني أشك في مسألة أخرى إضافية تبدو لي أكثر منطقية.
سيسو كلب امريكي ضال، اختار متجرا تجاريا لغرضه وهذا في ذاته يدل على ايمانه المتواصل بالنموذج الامريكي وأنه لا يرغب في التمرد عليه كليا، وإنما هو تهديد واضح موجه لبني البشر، وكأنه يقول كلبيا :


أنتم لاترونا الا عند الضرورة او عند الخوف لحمايتكم من انفسكم، ولاتعتبرون اننا "كائنات حية كاملة" نتماثل معكم الى حد كبير، نحن  رفاق على هذه الارض منذ ملايين السنين ونعرف بعضنا كثيرا أو كنا نحن معشر الكلاب نظن ذلك، لكن هذه الشاشات المضيئة بين اصابعكم اجهزت على كل امل في تواصلنا الطبيعي، صرنا اكثر شهرة صحيح مع مقدم هذه الشاشات لكن تقلص الاحساس بنا ككائنات، صرتم سلعة بدون متجر، وصرنا لعبة بدون موافقة، وانا الكلب ارفض ذلك، فهذا متجركم لا اريد منه اي شيء سوى استرداد الحلم الارجواني، ايام عز وحيد القرن والحياة الصاخبة بذاتها. فوحيد القرن هو افضل اصدقائي لحد الساعة وليس صحيحا ما يؤثر بين الناس أن الكلب صديق الانسان الدائم. صديق الجميع الدائم نعم، بشرط، ان يكون في العلاقة نوع من التكافؤ، فالصداقة تسقط اوتوماتيكيا بمجرد عملية استغلال واحدة.


انظروا لقصة الكلب اعلاه الذي حمى صاحبته من موت محقق بعد نوبة صرع، ما مصلحته المباشرة في قيامه بذلك !؟ وعد بعظم؟ تدليك ظهر؟ عشاء دسم؟ سيلفي على الشبكات؟.. سترحب الكلاب بذلك حتما، لكن المساومة مستبعدة كسلوك كلبي، اذ الكلبية ارتبطت بالانسان الفيلسوف اكثر منه بهذه الكائنات العجيبة. 

تحتاجون لأمثلة إضافية؟! 



سجل عندك، هذه أشبال الدب الأسود في كاليفورنيا تصاب مؤخرا بمرض غير مبرر يجعلهم ودودين ولا يخافون من الناس، تخيل، دبا ودودا !! والمميز ان تلك الأشبال تظهر سلوكا شبيها جدا بالكلاب، تخيل !! يقول المسؤولون إن السلوك آخذ في الارتفاع ومن المحتمل أن يكون مرتبطًا بحالة الدماغ، التهاب في الدماغ.  لكن لم يكن سبب التهاب الدماغ واضحًا. لا يعرف العلماء السبب الدقيق، لكنهم اكتشفوا خمسة فيروسات في الدببة، فيروسات لا تصيب الانسان باي عدوى أو مرض. تخيل يغامرون بالإصابة بالفيروسات لا للانتقام من البشر الذي كبدهم ملايين الخسائر على الاقل في العصر الحديث ولكن لكي يكونوا فقط مثلنا. كلابا تعوي وتتمسح بالبشر !!  فماذا يريد شعب الكلاب أكثر من هذا التماهي الغريب!


 

أما لديكم بني البشر، فعندما أسمع عن فلسفة الكلبيين الذين يدعون مسالمة الطبيعة، أشعر باندهاش كبير، فنحن ايضا ندعو لمجاراة الطبيعة كما تزعمون ليل نهار، لكن يفرقنا احترامنا للعرف الطبيعي اذ عبره نتلمس مسارنا. الطيور تفعل ذلك.  النحل يفعل ذلك.  ونحن أبطال في ذلك كما تعلمون، وهو السؤال الذي أختم به اندهاشاتي، لماذا تعتبر الكثير من الحيوانات أفضل بكثير من البشر في اكتشاف الطريق والعودة حيث المنشأ والحياة ؟!  لماذا تعود الحيوانات إلى وكورها بهذه التلقائية الطبيعية ؟ تجدني أتساءل بكل كلبية خالصة عن من هو  الضال حقا بيننا !؟